تجارة الاسفنج في البترون

كان قائمقام البترون، السيد فائز العماد، قد رفع تقريراً إلى الحكومة في العام الماضي يلفت نظرها إلى ضرورة احياء موسم الاسفنج في تلك المنطقة، بعد أن كان من أهم الموارد التي يعتمد عليها الاهلون. ولا ندري ما كان مصير ذلك التقرير ولا مبلغ الاهتمام الذي لاقاه لدى أولياء الشأن. ولكننا نرى أن تنشر مقالاً تلقيناه من المحامي الأستاذيوسف الخوري بهذه المناسبة، لأنه يلقي نوراً على ما كان لذلك الموسم من أهمية قبل الحرب، لعل في التذكير فائدة…

قال الأستاذ خوري ، بعد المقدمة:

 

الاسفنج حيوان بحري تقسم أنواعه بحسب هياكله إلى ثلاث طوائف الكلسية والزجاجية والعادية. ومن هذه الطائفة الأخيرة الاسفنج القرني المستعمل في كثير من الحاجيات والأغراض.

كانت تجارة الاسفنج شهيرة في الشاطئ اللبناني، ولا سيما في شاطئ البترون، حيث بلغ عدد القوارب المخصصة لاستخراجه مائة وعشرة ثم أخذ هذا العدد يتضاءل ويقل تدريجياً بعد الخسارة التي مني بها الغواصون في طرابلس الغرب ولانقراض الاسفنج منذ ذلك الحين.

 

فقد بلغ ثمن الصادر من الاسفنج عام 1889 من ميناء طرابلس ثلاثين ألف ليرة ذهباً وهي من نتاج البترون وطرابلس وارواد واللاذقية.

 

ولا حاجة للتدليل على شهرة البترون بالاسفنج، فهي معروفة بالتاريخ، وتدل عليها قيود متصرفية لبنان القديم، فان الحكومة كانت تستوفي عشر الحاصلات بما لا يقل عن الستماية ليرة ذهباً ثم استبدلت هذه الضريبة برسم سنوي على سفينة للغطس في أيام رستم باشا متصرف لبنان.

 

ولرستم باشا حكاية لا بأس من ايرادها تأكيداً لما كان للاسفنج في ذلك الزمن من الأهمية واتساع نطاق التجارة به في البترون.

 

عندما أراد رستم باشا زيارة البترون ابحرت مائة وعشر سفن غطس لاستقباله، فكأنها اسطول شراعي يمخر ق عباب البحر، وقبل وصول المتصرف إلى البترون لفت نظره راية في احدى السفن تشبه علماً انكليزياً ولدى وصوله إلى البلدة طلب فوراً صاحب هذه السفينة مصحوباً بالعلم ولما جيء به إذا بالعلم منديل محرمة يباع منه في سوق البلدة فاقتنع المتصرف بذلك.

 

ولما كان قد سرّ من منظر السفن ركب احداها في اليوم الثاني وذهب بصحبة الغواصين لمشاهدة الغطس على الاسفنج، وبلغ ما استخرجه الغواصون في ذلك اليوم ما ثمنه ثمانون ألف غرش تركي. عند ذلك استرحم الغواصون المتصرف لتخفيض ضريبة العشر فاستبدلها بالبدل السنوي.

 

وآخر العهد بالاسفنج كان بعد الخسارة التي نزلت برجال الغطس في البترون لدى ذهابهم إلى مياه طرابلس الغرب حيث لم ينالوا نجاحاً لعدم وجود الاسفنج, فاضطروا لاستدانة اموال من تاجر فرنسي هناك يدعى السيد كولومباني.

 

وحدث مرة, حين كان الغواصون في مياه البترون يغطسن على الاسفنج، ان غطس احدهم حاملاً “البولس” مربوطاً بحبل من شريط واذا به يدخل في فم سمكة كبيرة “هامة” فابتلعته والحجر وقسماً من الجبل ، ثم عامت على وجه الماء، ولما شاهدها البحارة في القوارب اسرعوا في الفرار خوفاً من اغراق سفنهم ولا يزال بعض اللذين شهدوا تلك الحادثة احياء يرزقون حتى الآن.

 

وكان الاروام يقصدون البترون للغوص على الاسفنج ولم تزل بلاطة الاروام في البحر مشهورة بهذا الاسم لجودة اسفنجها وكثرته.

 

وقد بلغ عدد الغواصين في البترون660 شخصاً لكل سفينة ستة أشخاص، أربعة للغطس واثنان لسحب الغواص من الماء، وكان دخل البلدة من الاسفنج سنوياً بين حزيران وايلول لا يقل عن عشرين ألف ليرة ذهباً.

 

والاسفنج الجيد الأبيض لا يوجد منه سوى في البحر الأبيض المتوسط واجوده في المنطقة الواقعة بين مياه اللاذقية والبترون.

 

ونحن نرى اليوم أن موسم الاسفنج قد عاد إلى الازدهار، وهو موسم حيوي لا ينضب يستغل اكثره الاجانب فعسى ترى الحكومة فيه باباً للرزق وتسعى لتنشيطه باتخاذ التدابير اللازمة.

 

المحامي يوسف مخايل  الخوري

جريدة “البشير” أول حزيران سنة 1939 عدد 5815

النشاطات القادمة

« تشرين الأول 2017 »

الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
  • لا توجد نشاطات قادمة.

أحدث الأخبار

12/07/2014
بيان صادرعن بلدية البترون

                              Read more…

أحدث المشاريع

المشاريع السياحية ...
عنوان المشروع
المشاريع الصناعية ...
عنوان المشروع
المشاريع الثقافية ...
عنوان المشروع
الأشغال العامة ...
عنوان المشروع
المشاريع السياحية ...
عنوان المشروع
المشاريع الصناعية ...
عنوان المشروع
المشاريع الثقافية ...
عنوان المشروع
الأشغال العامة ...
عنوان المشروع